محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

307

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

الفترة رجوع عن الإرادة ، وخروج منها . والوقفة خروج عن السير باستحلاء حالات الكسل ، وكلّ مريد وقف في ابتداء إرادته لا يجيء منه شيء » انتهى كلامه رحمه اللّه . فبدايات الأمور هي التي يجب أن يراعيها المريد ، واللّه ولي التوفيق والتسديد . ولا غنى للمريد في هذا القسم عن تحصيل ما يحتاج إليه من العلوم الشرعية على ما ينبغي . وعمل الباطن يرجع حاصله إلى أمر واحد وهو إخلاص التوحيد للّه عزّ وجلّ باعتقاد العبودية له ، وذلك بأن يحمل نفسه على الاستسلام لأحكام اللّه تعالى ، وترك المنازعة والتدبير والاختيار بين يديه . وهذا المعنى هو الذي ضمّنه المؤلف رحمه اللّه تعالى في كتابه « التنوير في إسقاط التدبير » فليستعن المريد على ذلك به ولا يقصد برياضته ومجاهدته التوصّل إلى شيء من الكرامات وخرق العوائد وأنواع الإجابات ؛ فإن ذلك فتنة وبليّة قاطعة عليه طريق العبودية . قال أبو عثمان المغربي ، رضي اللّه عنه : « من اختار الخلوة على الصحبة ينبغي أن يكون خاليا من جميع الأذكار إلّا ذكر ربّه ، وخاليا من جميع الإرادات إلّا رضا ربّه ، وخاليا من مطالبة النفس من جميع الأسباب ، وإن لم يكن بهذه الصفة فإن خلوته توقعه في فتنة أو بلية » . وقال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي ، رضي اللّه عنه : « من عمل ليجد أو يرى لم يفتح له بشيء حتى يكون قصده تحقيق العبودية والقيام بما يجب عليه من حقوق الربوبية » . قال صاحب كتاب « عوارف المعارف » : « من دخل الخلوة معتلا في دخوله دخل عليه الشيطان وسوّل له أنواع الطغيان وامتلأ من الغرور والمحال وظنّ أنه حصل على حسن الحال » . قال : وقد دخلت الفتنة على قوم دخلوا الخلوة بغير شروطها وأقبلوا على ذكر من الأذكار واستجمعوا نفوسهم بالعزلة عن الخلق ، ومنعوا الشواغل من الحواس كفعل الرهاب ، والبراهمة « 1 » ، والفلاسفة والوحدة في جمع الهمّ لها تأثير في صفاء الباطن مطلقا ، فكل ما كان من ذلك بحسن سياسة الشرع وصدق المتابعة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنتج تنوير القلب والزهد في الدنيا وحلاوة الذكر ، والمعاملة للّه بالإخلاص من الصلاة والتلاوة وغير ذلك . وما كان من ذلك من غير سياسة الشرع ومتابعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينتج صفاء في النفس

--> ( 1 ) البراهمة : قوم لا يجوّزون على اللّه بعثة الرسل .